فخر الدين الرازي
62
تفسير الرازي
في الحمل على الصدق ، بلى من أنكر دلالة أصل المعجز على صدق المدعي ، وهم البراهمة ، فإنه لا يكفيه ظهور هذه الآيات ، أما من آمن بدلالة المعجز على الصدق لا يبقى له في هذه المعجزات كلام البتة . قوله تعالى * ( وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلاُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَا تَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فاَ عْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) * . اعلم أنه عليه السلام لما بيّن بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولاً من عند الله تعالى ، بيّن بعد ذلك أنه بماذا أرسل وهو أمران أحدهما : قوله * ( ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قد ذكرنا في قوله * ( ورسولاً إلى بني إسرائيل أنى قد جئتكم بآية ) * ( آل عمران : 49 ) أن تقديره وأبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً * ( أني قد جئتكم بآية ) * فقوله * ( ومصدقاً ) * معطوف عليه والتقدير : وأبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً * ( أنى قد جئتكم بآية ) * ، وإني بعثت * ( مصدقاً لما بين يدي من التوراة ) * وإنما حسن حذف هذه الألفاظ لدلالة الكلام عليها . المسألة الثانية : إنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لجميع الأنبياء عليهم السلام ، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة ، فكل من حصل له المعجز ، وجب الاعتراف بنبوته ، فلهذا قلنا : بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقاً لموسى بالتوراة ، ولعلّ من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين . وأما المقصود الثاني : من بعثة عيسى عليه السلام قوله * ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) * . وفيه سؤال : وهو أنه يقال : هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعد الذي كان محرماً عليه في التوراة ، وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة ، وهذا يناقض قوله * ( ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ) * . والجواب : إنه لا تناقض بين الكلام ، وذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق وصواب ، وإذا لم يكن الثاني مذكوراً في التوراة لم يكن حكم عيسى